محمد عباس الباز
23
مباحث في علم القراءات مع بيان أصول رواية حفص
وتلقي القرآن من أهله وعلمائه ، وعرضه عليهم هي الطريقة التي علّم بها الرسول صلى اللّه عليه وسلم صحابته الكرام ، فكان يقرأ عليهم ، ويقرءون عليه . وحديث عبد الله بن مسعود في السنة الصحيحة يبين ذلك ، حينما طلب منه الرسول صلى اللّه عليه وسلم أن يقرأ عليه ، فقال ابن مسعود متعجبا : أأقرأ عليك وعليك أنزل ؟ فقال له الأمين صلى اللّه عليه وسلم : « إنني أحب أن أسمعه من غيري » إنها الأمانة العظيمة ، والحرص البالغ للتأكد من أن الصحابة يقرءون القرآن كما أنزل على رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وكان حرص الصحابة شديدا على تعليم التابعين ، وحرص التابعون كذلك على تعليم من بعدهم ، وهكذا ، حتى وصل القرآن إلينا بهذه الطريقة - التلقي بسند متصل إلى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم - ولله الحمد . وفي زماننا هذا ، ما تزال هذه الطريقة موجودة معروفة عند أهل القرآن ، وما تزال الإجازات تعطى من قبل المشايخ لطلابهم بسند متصل إلى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم . ومهما بلغ تمكن المسلم وتفوقه في اللغة العربية ، فلا بد له من تلقي القرآن بهذه الطريقة ، فقد كان العرب الأوائل - وهم أفصح منا - لا شك في ذلك بل إننا لم نعد عربا بألسنتنا ، لقد كانوا وهم أهل اللغة وأربابها لا يعرفون في تعلم القرآن غير هذه الطريقة ( طريقة العرض والتلقي ) . ورب قائل يقول : وأين المشايخ وأهل القرآن ؟ وكيف أصل إليهم ؟ والجواب على ذلك : إنهم موجودون ، فلا تخلو بلدة ، ولا قرية من كتّاب ومحفظ ، ومعاهد القرآن منتشرة ، وحلقات التدريس في المساجد قائمة ، كما أنك لن تعدم صديقا أو زميلا يحسن ويجيد التلاوة فتقرأ وتتعلم معه ، من سلك وسأل عرف ، ومن عرف وصل .